be-writer
كتبه محمد أبوالغيط لمصر العربية

مبدئياً وبوضوح هذا العنوان ليس رمزيًا بل هو مباشر جدًا. هذا المقال متخصص أوجهه فقط لمن يريدون كتابة مقال.

يتكرر كثيراً أن يرسل لي أصدقاء أو أشخاصاً لا أعرفهم مقالات طالبين الرأي والمساعدة، ولأني لاحظت تكراراً عاماً في نمط الأخطاء، وبالتالي تكرار ما أنصح به حسب خبرتي المتواضعة، فكرت أن أكتب هذا الدليل المختصر.

قبل أن نبدأ القواعد الـ 13 لنتفق على مباديء عامة:

المبدأ الأول: لا قواعد حرفية.. نحن لا نتحدث هنا عن المقال التقليدي المكتوب بأسلوب خبري تقريري ممل غالبًا. نتحدث عن كتابة مَرِنة، أقرب للعمل الأدبي، والأدب يختلف عن الرياضيات، لا قوانين صارمة، كل شيء يخضع في النهاية للتذوق البحت.

ولا يجب بالضرورة أن يكون المقال مستوفياً حرفياً لكل القواعد، يمكن النظر للموضوع كأن هذه مقادير الطبخة. لا يوجد طبختين متماثلتين، ولا يجب استخدام كل المقادير في كل طبخة.

المبدأ الثاني: غرض الكتابة هو أن تجذب القاريء من أول سطر إلى آخر المقال، وقاريء الانترنت تحديداً ملول جداً قاسي جداً، بعد أول بضعة أسطر قد يغلقه بكل بساطة.

ستجذبه فقط بأن تقدم له جديداً يدهشه بدون ملل، سواء كانت هذه الدهشة على مستوى الفكرة أو الأسلوب أو المعلومة. الدهشة وعدم الملل هي الأصل في كل شيء.

المبدأ الثالث: التدريب والتراكم. كل من أعرف ممن يكتب جيداً في جيلنا، سواء مقالات أو روايات أو شعر، وصل إلى مستواه عبر تراكم سنوات طويلة من القراءة التي توسع الأفق حرفياً، والتدريب المتواصل.

محمود درويش كان يقرأ ساعتين يوميًا، ويجلس للكتابة كل يوم صباحًا: “تعودت على الكتابة نهارا بين العاشرة والثانية عشر… لا أكتب كل يوم وإنما أجبر نفسي على الجلوس يوميا على الطاولة… لا أؤمن تماما بالوحي، ولكنه إذا كان موجودا فيجب علينا أن ننتظره.”، وكان لنجيب محفوظ عادات شبيهة.

التراكم فقط هو ما يمنح الكاتب بعد فترة “أسلوبه” بحيث تميزه من بضعة أسطر بدون أن تقرأ الاسم.

والتراكم فقط هو ما يمنح الكاتب عملية “الخلق الأدبي”. الخلق يعني أن تبدأ العمل الأدبي أو المقال فتجده تلقائياً يوجهك إلى غير ما كنت تخططه تماما، وبمستوى أفضل بكثير، كأنه يكتب نفسه بنفسه. منذ سنوات طويلة قال لنا د.أحمد خالد توفيق في ندوة ما أن العمل الذي لا يخلق نفسه بنفسه، ويضطر إلى التفكير فيه وتوجيهه حتى آخره هو دائماً أسوأ ما يكتب. لم أفهمه إلا بعد أن بدأت الكتابة بنفسي.

والآن لنبدأ:

1- اختار الفكرة

أول ركن في كتابة المقال هو الفكرة الرئيسية التي يدور حولها. أفضل الأفكار هي المبتكرة بشكل كامل، مثلا مقال أحمد سمير “أسوأ 50 كتاب قرأتها” لتقديم تحليل لمحتوى مناهج التعليم، أو مقال محمود عزت “ملاحظات غير ثورية عن الثورة” عن فكرة أن الثورة لم تكن موضع اجماع من الشعب، أو مقال عمر الهادي “نحن لا نزرع المولتوف” لنفي السائد عن فكرة الثورة السلمية، أو مقال العبدلله “الفقراء أولاً يا ولاد الكلب” لنفي السائد عن فكرة ثورة شباب الفيس بوك…الخ. هذه كلها نماذج لأفكار جديدة كانت خارج السياق بشكل كامل.

لكن لأن الأفكار الجديدة تماماً قليلة بطبيعة الحال، فالخيار الآخر هو طريقة تناول جديدة لأفكار قديمة.. مثلا مقال محمد الدسوقي رشدي “وطن التسعات الثلاث” عن فكرة تقليدية هي أن السيسي لا يستشير من حوله، أخذ له مدخلاً غير تقليدي بتحليل فكرة التكرارا 999 ألف مرة، ومنها نصحه بترديد كلمة الشورى هذا العدد، أو مقال تامر أبوعرب “انتخبو المشير عبدالفتاح بوتفليقة” الذي تناول فكرة تقليدية هي انتقاد الديموقراطية الصورية، بمدخل غير تقليدي بمقارنة مساري مصر والجزائر.

2 – عَمَّق الفكرة

أسوأ ما يمكن هو أن تطرح فكرة تقليدية، ثم تتناولها بزاوية تقليدية وسطحية .. مثلاً أن تكتب مقالاً يهاجم قيام الشرطة بالتعذيب، فتكتفي بضرب مثال بحالة قابلتها، وتقول إن هذا لا يحدث في أوروبا والدول المتقدمة وشكراً على كده!

تعميق الفكرة يعني أن تأخذها إلى زاوية أخرى أبعد من السطح المعتاد، مثلا البحث عن التفسير النفسي لهذا السلوك، أو توقع ما سيؤدي له في المستقبل ، أو تحليل رؤية عامة الناس للتعذيب ..الخ

3- رِتِب الفكرة

هناك خطأ تقليدي يسقط فيه كثيرون، وهو أن يصمم على قول كل ما يريد داخل نفس المقال، كأنه آخر ما سيكتب في حياته! قد يبدأ بفكرة معينة، وينتقل فجأة إلى أفكار بعيدة تماماً، وحين يعود للأصل يكون القاريء قد نسى. هذا يُظهر المقال مترهلاً أو غير مترابط أو مرتبك.

يجب أن تحافظ على تسلسل منطقي للأفكار في المقال، هناك إطار عام، وهناك أفكار جزئية تتسلسل لتؤدي لبعضها بشكل منطقي وغير مصطنع.

4- العنوان.. “هات رِجل الزبون”

العنوان المبتكر هو أول ما يجذب قارئك.. أسوأ عنوان على الإطلاق هو المكون من كلمتين، مبتدأ وخبر أو نعت ومنعوت، مثل “الخيانة الكبرى” أو “المعركة الأخيرة”.

ثاني أسوأ عنوان هو الدال بشكل سطحي على الفكرة كاملة، مثلا “لا للفساد” سيؤدي لعدم فتح المقال مطلقاً لأن الفكرة للوهلة الأولى مكررة إلى حد الملل، مهما كان المحتوى.

5- البداية . “هات رجل الزبون برضه”

أول 5 أسطر من المقال هي أهم ما فيه، وعلى أساسها يتحدد هل سيكمل قاريء الانترنت القاسي مقالك أم سيغلق الصفحة ببساطة.

يجب أن تحتوي البداية على دفعة دهشة خالصة. مثلاً موقف لافت ذو دلالات، أو معلومة جديدة صادمة، أو مقولة مستفزة لأحد الشخصيات

6- اختصر.. اختصر.. اختصر!

قبل سنوات طويلة كنت أكتب قصصًا قصيرة فقط، وأهم درس تعلمته على الإطلاق هو “التكثيف”. هذا لا يعني بالضرورة صغر حجم القصة، يمكن أن تكون القصة 10 صفحات ومكثفة جدا، ويمكن أن تكون صفحة واحدة وبها طول و”إطناب” ورغي جدا!

أهم تدريب هو تجربة حذف كل ما يمكن حذفه، كل جملة أو كلمة يمكن حذفها بلا إخلال بالمعنى أو المعلومة أو الشعور يجب أن تُحذف فوراً.

بشكل شخصي بعد أن أنهي أي مقال تماماً أراجع النص مرة أو اثنتان فقط للحذف والمزيد من الحذف.

وبالتوازي مع التكثيف حافظ على الجمل القصيرة كأولوية قصوى. الجمل الطويلة “تِقْطَع نَفَس” القاريء.

لا يوجد طول معين مثالي للمقالات، لكن بشكل عام المتوسط هو 1000 كلمة، مع أني شخصياً متوسط الطول عندي 1600 لكني أحاول تعويض ذلك بالمزيد من التكثيف.

وللعلم صفحة كاملة في الجريدة تُملأ بـ 2000 – 2400 كلمة، من يقرأ صفحة كاملة في جريدة؟

7- علامات الترقيم .. ارحمونا!

للأسف كثيرون ممن يبدأ الكتابة، خاصة على مذكرات “نوتس” الفيس بوك، لا يهتمون بعلامات الترقيم رغم أهميتها البالغة جداً. القارئ يمكن أن “يطفش” فقط لأن المقال غير مريح لعينه.

هناك اختراع اسمه فصلة (،) يفصل بين مقاطع الجملة الواحدة، وهناك اختراع آخر اسمه نقطة (.) ويوضع في نهاية الجملة دون مسافة بينه وبين آخر كلمة.

لا يوجد مسافة بين واو العطف والكلمة التالية، واستخدام النقطتين (..) بشكل مفرط يؤدي لإرباك كبير، والوضع أسوأ مع النقاط الثلاث (…).

لا يمكن أن تكون هناك فقرة واحدة تمتد لعشرة أسطر. بضعة جمل قصيرة تصنع فقرة، وبين كل فقرة والأخرى اضغط (إنتر) لتترك سطراً فارغاً لوسمحت.

8- إضرب في وقته.. ولو مش وقته خليه وقته

كلما كان مقالك أقرب للحظة الحدث كلما كان أقرب للنجاح والانتشار. مثلاً بعد ساعات من خطاب سياسي مهم، أو تفجير كبير، أو إعلان فوز رئيس، أو أيا كان الحدث. كلما تأخرت كلما أصبح إقبال الناس أقل.

لكن ماذا لو بدأت كتابة المقال عن موضوع ثم تأخرت جداً حتى أصبح الموضوع “بايت”؟ عليك حينها أن تقوم ببعض التحديث. مثلا مقال أحمد جمال سعد الدين “آكلو الجواسيس” كان عن واقعة اللقلق، لكن لأنها قديمة للغاية، فقد قام بتحديث الفكرة وتوسيع إطارها وأضاف ما يخص الاعتقال في ذكرى الثورة.

9- المعلومة .. العواطف وحدها لا تكفي

هذا الجانب مرتبط بتعميق الفكرة، ومرتبط بأن قطاعاً كبيراً من القراء أصبح يبحث بشغف عن معلومات ليفهم ما يدور.

لو أنك تكتب عن أزمة الكهرباء مثلاً لا يكفي السخرية من تناقض مواقف الإعلاميين، بل يجب أن تبحث عن معلومات مثل أرقام الأحمال وكمية العجز الحالي، عدد المحطات المعطلة، كميات الغاز المطلوبة …الخ، لو أنك تكتب عن المعتقلين فلتبحث عن الاحصاءات العامة، وبالمثل عن أي قضية.

أهم ما في المعلومة هو أن يتم عرضها بتبسيط يخفف جفاف الأرقام والبيانات، وأيضاً أن تكون موثقة بمصدر يصعب التشكيك فيه. مثلاً أفضل مصدر للبيانات الحكومية في مصر هو الكتاب السنوي للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

جانب المعلومات هام أيضاً لأنه يغازل في القراء جانباً منتشراً حالياً، وهو استخدام مقالك للتدليل على آرائهم وانحيازاتهم المسبقة التي يختلفون فيها مع أصدقائهم.

10- الأسلوب .. اعتمد على ذكاء القاريء.

كما قلت في المباديء العامة، الأسلوب المميز تحديداً هو أكثر عملية تراكمية طويلة المدى، لا نصائح حاسمة بشأنها إلا المزيد من القراءة والتدريب والتجريب.

لكن بشكل عام على الأقل أستطيع أن أؤكد أن أسوأ أسلوب يكرره كثيرون هو الخطابة المباشرة التقليدية. أن تكتب جملة مملة مكررة من نوع “كيف لهذا الضابط أن يعذب مواطناً دون ذنب جناه؟ هذا يخالف القانون ويخالف الانسانية ويخالف مباديء حقوق الانسان العالمية، يجب أن نقف جميعا ضد هذه الجريمة البشعة ونوعي المجتمع ضدها..الخ”.

اترك القاريء يفهم بنفسه. يكفي ذكر الواقعة وكلمات على لسان الضحية، وربما نص مادة من الدستور تجرم التعذيب فقط.

الخطابة سلبية دائماً. الاستنتاجات المباشرة التقليدية سلبية دائماً.

11- اللغة .. حافظ على السياق.

تكوين لغتك الخاصة هو بدوره عملية تراكمية طويلة المدى.

ما يمكن أن أقوله هنا هو أن الخطأ الأبرز هو استخدام عدة لغات متنافرة. مثلاً مقال بالعربية الفصحى العادية وفجأة تظهر كلمات صعبة للغاية، أو بالعكس كلمات سوقية للغاية. يجب أن تظل اللغة في سياق واحد طيلة النص.

لكن بصراحة جانب اللغة يظل معتمداً إلى حد كبير على مهارة التذوق البحت. مثلاً أسلوب كتابة ريهام سعيد – كاتبة الشروق لا المذيعة طبعا – يدمج بين العربية الفصحى والعامية بطريقة سلسة ومتسقة طيلة المقال، بينما غيرها يحاول فعل ذلك أحيانًا فلا يجني إلا الإرباك.

12- اقرأ لنفسك قبل أن يقرأ الآخرون

بشكل شخصي أكثر عبارة مستفزة يمكن أن أسمعها من كاتب هي “أنا كتبت ده في نص ساعة ومابصتش عليه” أو “انا مقدرش أقرا تاني أي حاجة كتبتها بعد ما تخلص”!

وبشكل شخصي أيضاً أنا أعيد القراءة مراراً وتكراراً، مرة اتخيل نفسي قارئاً غبيا، ما الذي يمكن أن أسيء فهمه؟ وهنا سأستبق بالتوضيح. مرة أخرى أضع نفسي مكان قاريء إخواني، ومرة ثالثة مكان قاريء مؤيد للسيسي، ومرة رابعة مكان قاريء ملول …الخ

13- الختام

ختام المقال هو آخر انطباع يبقى في ذهن القاريء، وهو ما يحسم ضغطه على “لايك” و “شير” أم لا.

الخطأ التقليدي هنا هو النهاية المفاجئة للمقال بلا مقدمات، كأنه مبتور. ثاني أكثر الأخطاء انتشاراً هو الختام بوصلة خطابة ووعظ طويلة.

يجب أن يكون الختام ذكياً مدهشاً بقدر البداية، يمكن وضع جمل ذات إيقاع ومفارقة، أو اسنتاج مبتكر، أو جملة ساخرة، ويُفضل أن يكون ذلك مشتقاً من شيء سبق ذكره في أول المقال.

بعد أن انتهيت من هذه القواعد، فلتعُد للبداية لتكرر قراءة المباديء العامة، ثم توكل على الله وابدأ. اكتبوا تَصِحوا.

Facebook Comments

NO COMMENTS